الساحرة
كتب  د.عمر محمود الراوي ▪ بتاريخ 11/03/2018 16:28 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد79

 

تجمهروا حولها؛ إنها أقوى بنت عرفوها في حينا ، كانت جميلة العينين، وطولها فارع، ومتكبرة جداً، فأبوها هو الأغنى، وهم الوحيدون الذين يملكون سيارة فارهة، وتذهب للتدريب في ناديهم الخاص، وكانت تسمعنا كلمات التعالي.


-     أنا أتدرب على الكاراتيه! لذلك فأنا أستطيع كسر رقبة أقوى رجل.

قال أحد الشباب الواقفين.


-     أنت طالبة في المتوسطة، وتستطيعين كسر رقبة رجل، هذا غير صحيح ، أنت تكذبين.


-     أنا أتدرب على الكاراتيه – وقامت بحركة سريعة -  وأستطيع بهذه الضربة أن أكسر طابوقة .


ضحك الفتيان، وقال أحدهم:


-لا يا بطلة! بهذه اليد تستطيعين كسر فلينة وليس طابوقة!.


- هذه يدي قوية جداً، أنتم نظرتكم متأخرة للبنات.


وقامت بتحريك رأسها نصف دورة  مما جعل شعر رأسها الطويل والمسرح جيداً يلف حولها تقريباً، ورفعت أنفها إلى الأعلى إظهاراً للتعالي.


نظر أحد الشباب إليها بامتعاض، وقال لها:


-     لو كنت ولداً لتصارعنا، ولعلمتك الأدب.


-     ولماذا لا تتصارع يا بطل!؟


قالتها بميوعة، وأنزلت كتفها الأيمن، ولفت وجهها بعيداً عنه. فأجابها بسرعة:


-     لأنك  بنت.. وهذا عيب!


  فردت عليه بلهجة سريعة، وكأنها تؤدي عملها، وقد ثنت إحدى ركبتيها، ومدت الثانية إلى الأمام قليلاً، ورفعت يدها اليمنى، ووضعت اليسرى مقبوضة على خصرها.


-     لنتلاوَ بالأيدي، وليأتِ أحدكم بمنضدة قوية ووسادة نسند عليها أيدينا؛ لنرى من يده أقوى!؟


 ولفت يدها بحركة سريعة في الهواء وهي تتكلم.


 وبعد دقائق أحضرت المنضدة والوسادة، وبثبات وضعت كوعها على الوسادة، ومسكت بطرف المنضدة، وقالت بكلمات واثقة وقوية فيها كثير من التكبر:


-     من يتقدم يا أبطال؟

تقدم أحد الشباب، ووضع يده بيدها مسنداً كوعه على الوسادة، منتظراً إشارة البدء. فنظرت إليه، ونظر إليها، فالتقت عيونهما، وقالت وهي غير مكترثة له:

-     واحد.. اثنان.. ثلاثة.. ابدأ!..


 وبدأ يحاول ليَ يدها.. إنها فعلاً قوية، وما زالت عيناه تنظر إليها، والى عيونها الجميلة برموشها الطويلة، والتي ما أن رمشت حتى خارت قواه، فصاح الشباب:

-     لقد فازت، لقد فازت! ودوت موجة تصفيق، وقالت بلهجة أشد تكبراً:


-     من يتقدم من الأبطال؟


تقدم آخر وبنفس النظرة، والتي كانت كالسهم خارت قواهم الواحد تلو الآخر حتى اصفرت وجوههم، وتصبب منهم العرق خجلاً، فكيف لبنت صغيرة أن تفوز عليهم!؟

 قال أحد الشباب:


-     أظنها تستعمل السحر!.


قال آخر:


- لا يا أخي إنها شيطان، فقد انقطعت أنفاسي عندما نظرت إلى عيونها الجميلة.

قال أحد الشباب وكان أكثرهم واقعيةً:


-     إنها قوية، فهي تتدرب في النادي، فلا بد أن يترك ذلك أثراً.


لقد فازت على عشرة من الشباب الأقوياء، أما الباقون فوقفوا مبهوتين، إنها أصغر منهم، فكيف استطاعت الفوز عليهم!؟


تقدم أحد الشباب وكان حانقاً فقال:


-     سألقنها درساً.


 ولكن ما أن تقدم خطوة حتى توقف فجأة!


 قال عدد من الشباب:


-     ما بك يا بطل!؟ تقدم!..


-     لا، فأنا لا أريد أن أكسر يدها، وهذا يؤدي إلى مشكلة.


 فسكت برهة وهو ينظر بعيداً..


- ولكن انظروا من جاء إلينا؟


صاح أحد الشباب:


- إنه سعيد. فضحك الجميع!!!


وكان سعيد أحد شباب الحي، ضعيف البنية، أسود الشعر، ذو سَمار خفيف، يمشي ببطء، ويوحي شكله بالضعف، يحمل دائماً مصحفاً صغيراً، اعتاد أن يقرأ به، ويحفظ القرآن.


قال أحد الشباب:


-     إنه يبقى في المسجد بعد العصر إلى أن يكمل التسابيح. لنطلب منه ملاواتها.

 تقدم باتجاههم، فأخذوا بالتصفيق.


 قال أحد الشباب متهكماً:


-     تقدم يا شيخ سعيد.. تقدم يا بطل!!!


فقال سعيد:


- ما بكم؟

 

-     عندنا مصارعة.

 

-     مع من؟

 

-     مع هذه المتكبرة.

 

نظر إليها وقال:

 

-     ولكن هذا عيب! كيف نتصارع مع البنات؟!

 

-     لا إنها ملاواة  فقط.

 

هز كتفه وقال :

 

-     لا. هذا عيب، وحرام، فكيف أضع يدي بيدها!؟

 

قال أحد الشباب :

 

- لا، يا جبان! إنك تخاف الهزيمة.

 

 رد عليه ببرود :

 

-     قل ما شئت! فهذا لن يكون، ثم إنها بنت ضعيفة، أظهروا قوتكم بينكم يا أبطال.

 

قال أحد الشباب بنبرة ضعيفة:

 

-     لقد هزمتهم كلهم يا شيخ سعيد!.

 

-     أصحيح هذا؟!

 

-     نعم، نعم.

 

-     هذا غير معقول!.

 

أخرج أحد الأولاد منديلاً، ووضعه على يد البنت التي ما زالت واضعةً كوعها على

الوسادة تنتظر من يتقدم، وقال:

 

-     تقدم يا بطل! يا من يريد تحرير فلسطين، أرنا قوتك الجبارة التي تريد أن تهزم

بها اليهود.

 

ظهر الارتباك عليه وتصبب على وجهه عرقاً بارداً، ونظر إلى عيون الشباب التي

ترمقه، وتأمل فيهم جيداً، وتقدم خطوة، وتوقف ووضع المصحف الذي كان بيده في

جيبه،  وأراد الانسحاب. ولكن الشباب لم يتركوا له مجالاً للحركة،  بل دفعوه بقوة.

وكان الغمز واللمز في كلماتهم الجارحة

 

 –يا بطل الإسلام!

 

 – يا سيف الله البتار!

 

 – أرنا بطولتكم! تقدم..

 

 وأخيراً وضع كوعه، وتردد أن يضع يده، قالت له متهكمةً:

 

-     مد يدك يا سيد الشجعان.

 

فمسك بيدها برفق وأشاح وجهه عنها.

 

-     انظر إليها، انظر إليها..! صاح أحد الشباب.

 

 فرد عليه بنبرة هادئة:

 

-     لا.. النظرة سهم من سهام الشيطان.

 

أخذ الشباب يعدون بصوت واحد:

 

-     واحد، اثنان، ثلاثة، ابدأ..

 

قال بصوت مسموع: – يا الله- وبحركة بسيطة كانت يدها على المنضدة!..

 

 فأخذ الأولاد يصفقون ويهتفون، وأخذ بعضهم يتقافز كالمجنون، ردت بتعال واضح:

 

-     لقد أجفلني هذا القبيح! عندما قال: يا الله!  وهذا غش، فلنعد المحاولة..

 

رد الشباب بصوت عال جداً:

 

 – حاضر، حاضر.

 

 – فأعاد يده مرة أخرى، وأخذ الشباب يعدون:

 

-     واحد ، اثنان ، ثلاثة، ابدأ..

 

قال: يا الله! بصوت لم يكد يسمع،  وترك يده في الوسط للحظات، وهو يشيح بوجهه

عنها، ثم بضغطة بسيطة كانت يدها على المنضدة.

 

 صاح أحد الشباب:

 

-     عاش القبيح، عاش الشيخ سعيد!!.

 

صافحه أقوى الشباب وقبله، وقال له:

 

-     تهانينا!.. إنك بطل! ولم نكن نعرف.

 

قال آخر:

 

-     لقد عرفت، لقد عطل سحرها لأنه كان يحمل القرآن معه.

 

انسحبت عنهم، وهم ما يزالون محتفلين يصفقون لهذا البطل.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب