حوار مع دكتور أحمد محمد علي (عبده زايد )
كتب  شمس الدين درمش ▪ بتاريخ 11/03/2018 06:50 ▪ تعليقات (1) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 79

 

س1: ما أبرز المؤثرات التي شكلت شخصيتك بأبعادها التربوية و العلمية و النقدية؟

ج: أول هذه المؤثرات وأبرزها البيئة التي نشأت فيها، فلقد نشأت في بيئة تخلو من المدارس والمعاهد وكل وسائل التعليم النظامية، وكانت الوسيلة الشائعة للتعليم هي الكتاتيب، وهي وسيلة منتشرة في القرى، و فيها يحفظ الصغار القرآن الكريم، ويتعلمون القراءة والكتابة، وقواعد الحساب.

وكان الشيخ الذي يحفظ القرآن الكريم موضع احترام وتقدير من الناس، فكانوا يطلقون عليه لقب (سيدنا)، ويقبلون يده، وينزلونه منزلة كريمة من نفوسهم، وكان هؤلاء الشيوخ يخطبون الجمعة في مساجد القرى من كتب بها خطب تغطي مناسبات العام الهجري، و قلما يخطئون في قراءة الخطبة؛ لأن القرآن الكريم قوم ألسنتهم.

وكان بعض المقتدرين يرسلون أولادهم إلى المدينة ليتلقوا العلم في مدارسها، وكان قليل منهم يرسلون أبناءهم إلى المعاهد الدينية في المدن البعيدة ليتلقوا العلم على يد علماء الأزهر الشريف.

وكان في قريتنا أسرة علم وصلاح وتقوى، هي أسرة الشيخ أحمد الطيب جد شيخ الأزهر الحالي، وكان لهذه الأسرة الكريمة فضل كبير على بلدنا والبلاد المجاورة، لأنهم كانوا يعلمون الناس، ويصلحون ما بين المتخاصمين، ويشجعون طلاب العلم، ويرفعون من قدرهم بين الناس.

في هذه البيئة نشأت، وعلمت فضل العلم ومكانة العلماء، وكان والدي رحمه الله تعالى محبا للعلم والعلماء برغم أنه كان أميا شأنه شأن أغلب أهل القرية، فألحقني بكتاب القرية في سن صغيرة، فأنا حينما وصلت إلى سن الوعي وجدت نفسي في الكتاب، ولكن والدي رحمه الله تعالى لم يكن يملك المال ليبعث بي إلى أحد المعاهد الدينية البعيدة، فلما افتتح معهد الأقصر الديني عام 1958 ألحقني والدي بهذا المعهد، وكان امتحان القبول يقتصر على القرآن الكريم والإملاء والخط ومبادئ الحساب، وقد أعدني لهذا الامتحان فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الذي كان قد سبقني إلى الدراسة في الأزهر الشريف بسنتين، وأول درس تلقيته في هذا المعهد هو بيان فضل العلم ومكانة العلماء، وما زلت أذكر شكل السبورة وما سطره المدرس عليها من الآيات القرآنية والمأثورات الشريفة وأبيات الشعر التي تبين فضل العلم.

ومن ذلك قول الله تعالى: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، وقول الإمام الشافعي: "من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معاً فعليه بالعلم"، وقول الشاعر:

    العلم يرفع بيتا لا عماد لـــــــــــــــه            والجهل يخفض بيت العز و الشرف

 وغير ذلك، وقد كان التعليم في ذلك الزمن جادا، وكان أساتذنا يعلموننا بحب، وكان بعضهم لا يكتفي بأوقات الدراسة الرسمية فيطلب أن نحضر قبل الحصة الأولى بساعة أو يستبقينا بعد نهاية اليوم الدراسي ليشرح لنا بعض الدروس الصعبة.

 وكان الامتحان في هذا الزمن حقيقيا، وكان الغش شيئا معيبا ونادرا ولم يكن يتدخل أحد في نتيجة الامتحان؛ لأن الامتحان كان موحدا لطلاب الأزهر على مستوى الجمهورية، فالأسئلة تخرج من القاهرة إلى معاهد الأزهر المختلفة من السنة الأولى الابتدائية إلى السنة الخامسة الثانوية، وكان التصحيح مركزيا في القاهرة، والنتيجة تخرج من القاهرة وتوزع على معاهد الجمهورية، ولا يتدخل أحد في هذه النتيجة مهما كانت.

وأذكر أننا دخلنا معهد الأقصر في أول دفعة ثلاثمائة وستين طالبا، وتخرجنا في الشهادة الإعدادية بعد أربع سنوات ثلاثة وخمسين طالبا، وكنت أول هذه الدفعة في المعهد. (كان التعليم قبل التطوير يقوم على أربع سنوات للابتدائية، وخمس سنوات للثانوية، وفي سنة 1961 حدث تطوير الأزهر فتحولت الشهادة الابتدائية إلى إعدادية وكانت دفعتي هي أول دفعة تحصل على الشهادة الإعدادية من الأزهر الشريف، وكان ترتيبي هو الأول في معهدي).

في هذه البيئة تعلمت قيمة العلم وقيمة العلماء فأكبرتهم واحترمتهم، وتعلمت كثيرا من القيم الإيجابية على أيديهم، وتعلمت أيضا قيمة الجد والاجتهاد، ولقد رأيت كيف يقدر الأساتذة طالب العلم الجاد دون نظر إلى غناه أو فقره، أو مكانة أسرته، أو منزلة عائلته، فكان معيار التمايز بين الطلاب هو العلم والجد والاجتهاد.

وبعد أن حصلت على الإعدادية اقترح بعض الناس على والدي -رحمه الله- أن ألتحق بمعهد المعلمين لأخرج بعد خمس سنوات مدرسا في المدارس الابتدائية، فقدمت أوراقي إلى هذا المعهد، وكانت هذه أول مرة يسمح لطلاب الأزهر بالالتحاق بهذا المعهد، ولأمر ما أراده الله تعالى لم يتم هذا الأمر، وهنا بدأت رحلة شاقة، فقد سافرت إلى العمل في مشروع السد العالي في أسوان، فما كان والدي -رحمه الله- تعالى قادرا على الإنفاق علي في المعهد الثانوي ثم الجامعة في المدن البعيدة، وهناك قضيت سنتين أعمل في الحرف الشاقة في السد العالي، ولكن حلمي بالتعليم لم ينقطع، ثم أصبت في أسوان إصابة أعادتني إلى بلدي، وهنا فاتحني شيخ الأزهر الحالي وكان قد وصل إلى السنة الرابعة الثانوية في معهد قنا الديني في أن أعود إلى الدراسة مرة أخرى، وما زال يلح علي وطلب مني الأوراق ليقدمها إلى المعهد فأعطيتها له، فقدمها إلى المعهد..، ودخلت المعهد بعد الدراسة بعدة أشهر، ولم أكن في مدة الانقطاع عن الدراسة منقطعا عن القراءة، فقد كان عندي نهم للقراءة، أشتري من الكتب ما تيسر لي، وأسأل طلاب العلم الذين سبقوني وأتعلم منهم، وقضيت في المعهد الثانوي خمس سنوات، وتلقيت العلم على يد علماء لهم مكانتهم ومنزلتهم.

 وكنت في ذلك الوقت أكتب الشعر وألقيه في إذاعة المعهد، وقد ألقيت أول محاضرة في حياتي وأنا طالب في السنة الثالثة الثانوية في قصر ثقافة قنا، وحضرها الكثير من زملائي وأساتذتي والجمهور، وكنت أشارك في الندوات العامة وألقي فيها الشعر حتى حصلت على الثانوية الأزهرية عام 1969 بترتيب الأول على طلاب المعهد.

 قد تعلمت من الدراسة في الأزهر الشريف قيمة العلم والعلماء، وحق الاختلاف؛ فقد كان الأزهر يوزع الطلاب في درس الفقه على المذاهب السنية الأربعة: مذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام أحمد، وكان هذا المنهج يعلمنا حق الاختلاف وحق الاجتهاد، ولم يكن أحد يقول لأحد: إن مذهبي هو الأفضل، فتعلمت قيمة التعدد في الاجتهاد والتنوع، والاختلاف، واحترام الرأي الآخر، وتعايش المختلفين.

وكنا في النحو ندرس الاحتمالات المتعددة في الإعراب، وكانت الكتب التي ندرسها في الابتدائية والثانوية كتبا دراسية قديمة، وبعضها كان يضم المتن والشرح والحاشية، وفي هذه الحواشي تتعدد الآراء والاجتهادات، فكنا نتعلم كيف نناقش وكيف نجادل وكيف نفند الرأي الآخر.

وهذه هي القيمة الحقيقية التي اكتسبناها من هذه الدراسة، وفي كلية اللغة العربية تعمق هذا المنهج؛ منهج الاختلاف والجدل العلمي.

وفي رحلة التعليم كلها كنا نحفظ النصوص الرفيعة: القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر الرفيع، ولم نكن نعرف شيئا عن الشعر الحر أو شعر التفعيلة، ولا درسنا شيئا عن هذا الشعر، ولم نكن ندرس الأدب العامي، ولا الشعر الشعبي، فكانت الدراسة في الأزهر محافظة على التراث العربي الأصيل.

فهذه البيئة وهذه الدراسة هي التي كونت شخصيتي التربوية التي تعرف قيمة العلم والمعلم، وشخصيتي العلمية التي تعرف قيمة التنوع والاختلاف والاجتهاد، وتكوين الرأي الخاص المؤيد بالدليل والبرهان، وكونت شخصيتي النقدية التي لا تعرف قداسة لرأي، فكل رأي مهما كان صاحبه قابل للأخذ والرد بالحجة والبرهان، مع احترام صاحب الرأي الآخر وتقديره، فلا قداسة إلا للقرآن الكريم وصحيح الحديث الشريف. أما اجتهادات العلماء فما كان شيوخنا يرفعونها إلى درجة المقدس فهو جهد بشري له كل التقدير والاحترام، ولكنه قابل للمناقشة والمجادلة و التعديل والإضافة.

 وكان بعض أساتذتنا في الجامعة يقول لنا: من كتب في ورقة الإجابة رأيا لم أدرسه له ولم أشرحه ولم يقرأه في كتبي ودافع عنه بحجة منطقية مقبولة سأعطيه أعلى الدرجات حتى لو خالف رأيي. هكذا كان يحرص بعض أساتذتنا على تكويننا العلمي، وهكذا تعلمنا كيف يتم تكوين طالب العلم تربويا وعلميا ونقديا.

س2: أحمد محمد علي وعبده زايد؛ ما المؤتلف وما المختلف في شخصيتهما؟ وهل العلاقة ما زالت قائمة بينهما؟

ج: المؤتلف في أحمد محمد علي و عبده زايد هو المسمى، والمختلف هو الاسم.

وعبده زايد هو الاسم الذي يعرفني به أهل قريتي وأصدقائي وزملائي وقرائي.

 وأحمد محمد علي هو المسجل في الأوراق الرسمية، في شهادة الميلاد والشهادات الدراسية والدرجات العلمية والأوراق الحكومية الرسمية. أما العلاقة بينهما فما زالت قائمة وستظل.

س3: متى ظهرت شخصية عبده زايد؟ وما أسباب ظهوره بهذا الشكل القوي الذي كاد أن يطغى على الأصل؟ وهل مازلت مقتنعا بوجود عبده زايد؟

ج: ظهرت شخصية عبده زايد منذ صغري، فأنا سجلت في شهادة الميلاد باسم أحمد،  ووالدتي -رحمها الله تعالى- سمتني عبده. وكان الجد الأعلى للأسرة اسمه زايد، وعلى الرغم من أن اسم زايد لا يوجد في الأوراق الرسمية لأي من هذه العائلة لأنه جد بعيد، لكن كل فرد من أفراد هذه الأسرة يقترن اسمه بهذا الجد الأعلى البعيد، فاقترن اسم عبده بالجد الأعلى فأصبح (عبده زايد)، ولأن الأم هي الألصق بالطفل، وهي التي تناديه بهذا اللقب فقد انتشر لقب عبده زايد على ألسنة الناس، و توارى اسم أحمد محمد علي في الأوراق الرسمية، وانتقل معي إلى المعهد الديني لأن زملائي من القرية الذين صاحبوني في الدراسة كانوا ينادونني بهذا الاسم، وحدث الشيء نفسه داخل الجامعة. ولم أكن وحدي الذي يحمل أكثر من اسم، فقد كان هذا شائعا ومنتشرا، وكان من زملائي من يطغى عليه اللقب، وبعضهم يتوارى لقبه أمام الاسم الحقيقي خصوصا إذا كان اللقب معيبا أو مشوها، وبعض الألقاب حتى  هذه اللحظة يضيق بها أصحابها فيتنازلون عنها إذا انتقلوا إلى بيئة جديدة.

س4: هل يمكن أن يحظى القارئ ببعض المواقف الطريفة التى نتجت عن وجود عبده زايد مع أحمد محمد علي؟

ج: حدثت عدة مواقف طريفة بسبب وجود عبده زايد مع أحمد محمد علي أذكر لك بعضا منها:

  •  حين كنت أعمل في السد العالي كان ملاحظ العمال أحيانا يعاقب العمال بخصم شيء من أجرهم، فيسجل في المعاقبين عبده زايد، لكن الإدارة لا تجد هذا الاسم في الكشوف الرسمية فلا يقع علي عقاب!.
  • حين عينت معيدا في كلية اللغة العربية بالقاهرة أردت أن أعمل بطاقة إعارة من مكتبة الكلية، فرأى أحد المعيدين الذين سبقوني في التخرج صورتي على البطاقة وعليها اسم أحمد محمد علي فاتهمني بالتزوير، لأنه يعرفني طول مدة الدراسة باسم عبده زايد!.
  • حينما توفي جدي -عليه رحمة الله- أرسلت إلي برقية على الكلية باسم أحمد محمد علي، وكنت آنذاك معيدا بها، فردت البرقية لعدم الاستدلال على صاحب الاسم، ولولا أن هناك برقية وصلت لعمي وعمتي بالقاهرة لما عرفت بخبر وفاته!.
  • كنت ذات مرة عضوا في مناقشة رسالة مع أحد عمداء الكلية السابقين، ولما أرادوا أن يحددوا موعدا للمناقشة جاءني الطالب بالموعد المقترح فقلت له: إنني لم أنته من فحص الرسالة، ولما رجع إلى العميد السابق وقال له: إن د.عبده زايد يطلب تأجيل الموعد. فقال له: وما شأن عبده زايد بالرسالة؟ فقال له: إنه العضو الآخر في مناقشة الرسالة، فقال له: العضو الثاني هو د.أحمد محمد علي فهل غيروه؟ فقال له: إن أحمد محمد علي؛ هو عبده زايد!.
  • حينما كنت في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء تلقيت مكالمة هاتفية من شخص لا أعرفه، فسألني: أنت الدكتور أحمد محمد علي؟ فقلت له: نعم، فقال لي: رئيس بنك التنمية الإسلامي؟ فقلت له: إنني أشاركه بالاسم ولا أشاركه في إدارة المال!.
  • وحينما كنت في كلية اللغة العربية بالرياض استضافني الدكتور حسن الهويمل لإلقاء محاضرة في نادي القصيم الأدبي، وكان لابد من أخذ إذن من الجامعة فوافقت الجامعة، ونشر الخبر في الصحف أن الدكتور أحمد محمد علي سيلقي محاضرة في نادي القصيم الأدبي، ففوجئت بوسائل الإعلام المختلفة تحضر المحاضرة. وفي اليوم التالي نشرت تغطية للمحاضرة وعليها صورة الدكتور أحمد محمد علي رئيس بنك التنمية الإسلامي!.
  • حضرت ندوة في المغرب عام 1998م، وكنت برفقة الدكتور عبد القدوس أبو صالح والدكتور جابر قميحة -رحمه الله تعالى- والدكتور عبد المنعم يونس وآخرين، وحينما كنت على المنصة ألقي ملخص بحثي كان هناك أستاذ مغربي بجواري على المنصة، ولما جاء دوره أخذ يهاجم الدكتور أحمد محمد علي صاحب كتاب "معلقة زهير في ضوء نظرية النظم"، ويسرف في هجومه، فقال له الدكتور عبد المنعم يونس: إن الذي تهاجمه هو الذي يجلس بجوارك، وكنت قد قدمت في الندوة باسم عبده زايد، وكانت هذه الطرفة حكاية المشاركين حتى نهاية الندوة!. وعرفت بعدها أن هناك من زملائه من امتدح في ندوة علمية المنهج الذي اتبعته في تحليل "معلقة زهير" وهو منهج التحليل اللغوي للنصوص الذي أرسى قواعده عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم، ولم يكن هو معجبا بهذا المنهج فهاجمه وهاجم صاحبه،  لولا هذه المفارقة لما عرفت شيئا عن هذه القصة!.

وهناك طرائف أخرى كثيرة، ولكني أكتفي بهذا المقدار.

س5: عملت في عدد من الجامعات العربية المرموقة، ما أبرز الانطباعات التي حملتها في نفسك  ذاكرتك في مسيرتك العلمية؟

ج: عملت في ثماني كليات تنتمي إلى خمس جامعات عربية؛ في مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين. والظاهرة العامة المشتركة أن مستوى الجدية في التعليم وحرص الطلاب على تلقي العلم يتجه إلى النزول، وأن هناك مستوى من التعليم تلقيناه في مرحلة ما قبل الجامعة لا نراه الآن عند طلاب الجامعة، ولقد درست كتبا تراثية في المرحلة الابتدائية لا يعرفها طلاب الجامعات الآن، وكنا نحاسب في ورقة الإجابة على الأخطاء النحوية والأخطاء الإملائية وهذا لا يحدث في الجامعة الآن، وكنا نكلف في المرحلة الابتدائية بحفظ ألفية ابن مالك التي تضم قواعد النحو والصرف، ولا يحدث هذا الآن.

ومن السلبيات التي لاحظتها في بعض الجامعات الخليجية أن هناك نظاما لتقويم الأساتذة يقوم به الطلاب بعد امتحان منتصف الفصل، فكان بعض الأساتذة -خصوصا غير المواطنين- يكيلون الدرجات للطلاب حتى يعطيهم الطلاب تقويما حسنا، وكان هذا على حساب جودة التعليم، ولما كنت واحدا من الذين لا يجيدون هذا الأسلوب ولا يقبلونه فقد كانت نتائج تقويم الطلاب لي غير حسنة، ولما طلب مني عميد إحدى الكليات أن أراجع مركز القياس والتقويم لأعرف أسباب تراجع تقويم الطلاب لي، قلت له: إن هذا النظام يضر بالمستوى التعليمي ولا يفيده؛ لأن الطلاب يحصلون على درجات لا يستحقونها في مقابل رضاهم عن الأستاذ، ولو كان رضا الطلاب على الأستاذ هو مقياس مكانته وعلمه وجديته ونجاحه لكان الأساتذة الجادون الذين لا يقبلون من الطلاب إلا الجد والاجتهاد أساتذة فاشلين، ولو طلبت من أولادك الذين تحثهم على الجد والاجتهاد والتفوق، وتحرمهم من الإسراف في السهر أمام التلفاز والإنترنت والألعاب لينجحوا ويتفوقوا؛ لو طلبت منهم أن يقوموك لما رضوا عنك! ولو طلب أحد من أمة نبي الله نوح-عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة و السلام- أن يقوموه لأعطوه صفرا.

ومن الظواهر السلبية التي رأيتها في أكثر من جامعة ما يكلف به الطلاب من إعداد بحوث في موضوعات معينة، فيدخل الطالب على الإنترنت ويستخرج بحثا جاهزا لا يعرف عنه شيئا، ويقدمه للأستاذ ليحصل به على أعلى درجة في البحث، أو يستعين بأحد ليكتب له البحث. وذات مرة جاءتني أربعة بحوث لأربعة طلاب متطابقة تمام التطابق حرفا حرفا، وقد سألت الطلاب واحدا بعد الآخر عن حقيقة هذه المطابقة فأخبرني أحدهم أن هناك شخصا اسمه كذا في مكتب كذا ذهب إليه وأعطاه عنوان البحث ليعده له مقابل مبلغ محدد من المال، وطبعا حدث هذا مع الثلاثة الآخرين،     وأعطى كل منهم البحث نفسه، فأعطيت كل طالب من هؤلاء الأربعة درجة صفر،    وأخبرت رئيس القسم بذلك، وطلبت منه أن يحاسب هذا المكتب، فقال لي: إنهم لا سلطان لهم على شيء خارج الجامعة، لكن هذا لا يعني أن اللوحة مظلمة كلها فهناك طلاب جادون ولكنهم قلة، ومن الملاحظ أن مستوى الجدية في الطالبات أعلى منه بين الطلاب، ربما لأن هذا هو ما يميز الطالبة ويرفع من قدرها، أما الطلاب فهناك أمور أخرى تشغلهم غير الدراسة والعلم.

س 6: لك إسهامات قوية ومؤثرة في مسيرة الأدب الإسلامي ورابطته، ما أبرز هذه الإسهامات؟

ج: وصف إسهاماتي بأنها قوية ومؤثرة أراه وصفا مبالغا فيه، غاية ما في الأمر أني أبذل جهدي ولا أدخر وسعا في سبيل القضية التي أومن بها.

وأحب أن أنبه أولا إلى أن طبيعة دراستنا في الأزهر الشريف لا تجعل من الدعوة إلى الأدب الإسلامي شيئا غريبا أو جديدا، فنحن كما سبق أن ذكرت ارتبط تعليمنا في الأزهر الشريف بالنصوص الرفيعة، ابتداء من النص المعجز وهو القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف، ثم الشعر العالي والنثر الرفيع، وهذه النصوص كانت في القمة لغة وتراكيب وصورا ومضامين، وقد سبق أن ذكرت أن القرآن الكريم المعجز كان هو النص الأول الذي تلقته آذاننا، وأن خطب الجمعة وفيها من الأحاديث الشريفة ما فيها كنا نسمعها كل أسبوع مرة، وأن الشعر الذي طرق آذاننا من المرة الأولى كان في المدائح النبوية وفي الزهد، وأقدم ما حفظته من الشعر المعاصر كان لأحمد شوقي وحافظ ابراهيم، وأقدم ديوان اشتريته كان ديوان حافظ ابراهيم، ولما قرأت الشعر الحر أو شعر التفعيلة بعد ذلك لم أستسغه، ولما قرأت فيما بعد الشعر الذي كان ينشر في مجلة الشعر في مصر لم أتفاعل معه، ولما كنت أقرأ الدراسات التى تدور حول هذا الشعر وتعلي من شأنه لم أتفاعل معها.

ولما كنت أحضر ندوات في الأندية الأدبية في القاهرة وأنا طالب جامعي وكنت أسمع ما يلقى من الشعر الحر أو الشعر الحديث أو شعر التفعيلة لم أجد له الصدى الذي يلقاه الشعر الموزون المقفى خصوصا إذا كان الشاعر يحسن الأداء.

ولما صدرت مجلة الدعوة في القاهرة في منتصف السبعينات واتصلت بها          وأشرفت على الصفحة الأدبية فيها كنت أتلقى إبداع الشباب والشيوخ فأنشر منه ما يستحق النشر، وأعلق على ما يستحق التعليق، وأشجع الناشئة الذين أرى فيهم بارقة أمل، وما كنت أكتبه في هذه المجلة هو الذي قدمني إلى الناس وعرفهم بي، وفي هذه المجلة تعرفت بالدكتور عبد الحليم عويس -رحمه الله تعالى- وكان في هذه الفترة مقيما في القاهرة لإنجاز رسالة الدكتوراه في التاريخ في كلية دار العلوم، وفي هذه المجلة كان يتردد مصطلح الأدب الإسلامي، والفن الإسلامي، واسم محمد قطب       وسيد قطب ونجيب الكيلاني وأنور الجندي وغيرهم من دعاة الأدب الإسلامي،     وفي هذه المرحلة كان الدكتور عبد الحليم عويس يكتب في مجلة الدعوة السعودية    ودعاني إلى الكتابة فيها، ولما حصلت على الدكتوراه عام 1981م كانت مجلة الدعوة (القاهرية) قد احتجبت عن الظهور بعد مقتل السادات.

ولما أعرت إلى العمل في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الأحساء كان مقرر "الأدب الإسلامي" موجودا بهذه الكلية، وكان تدريسه لا يسند إلا إلى أساتذة الأدب ولم أكن منهم، فتخصصي هو البلاغة والنقد، وقد رأيت من يقوم بتدريس هذا المقرر لا يعرف عنه شيئا، فما زاد على دراسة نصوص من القرآن الكريم، والحديث الشريف في هذا المقرر شيئا.

ولما أرادت رابطة الجامعات الإسلامية أن تنشر سلسلة من الدراسات في مختلف القضايا الإسلامية طلب مني الدكتور عبد الحليم عويس أن أكتب دراسة عن "الأدب الإسلامي"، فأعددت كتابي "الأدب الإسلامي ضرورة" الذى صدر عن رابطة الجامعات الإسلامية ودار الصحوة بعد ذلك، وهو الكتاب الذي لقي قبولا عند الناس ودرس ومازال يدرس حتى الآن.

وكان أول من زارني وأنا في الأحساء من الداعين إلى قيام رابطة الأدب الإسلامي هو المرحوم محمد حسن بريغش، ودعاني إلى الانضمام إلى الرابطة، فلم أتردد في الانضمام إليها.

وأما ثاني من لقيت منهم فهو الدكتور حسن الأمراني، وقد زارني في مصر، وطلب أن أسعى لطباعة مجلة "المشكاة" في مصر، وقد طبعنا منها عددين، ولكن التجربة لم تكن ناجحة، وتوزيعها كان محدودا في مصر.

وقد أرادت الرابطة أن تؤسس لها مكتبا في مصر لتنطلق الدعوة بقوة، وكان شيخ الرابطة الشيخ أبو الحسن الندوي -رحمه الله تعالى- يرى أن دعوة الأدب الإسلامي إذا انطلقت من مصر فسوف يكون لها صدى أوسع، وفي ذلك الوقت كان الدكتور عبد الحليم عويس -رحمه الله تعالى- على صلة بالدكتور حسن عباس زكي رجل الاقتصاد الكبير، وكان رئيسا عاما لجمعيات الشبان المسلمين ففاتحه في استضافة مكتب للرابطة بالجمعية، فرحب الرجل مشكورا بذلك، وأذن لنا باجتماع أسبوعي في حجرة من حجرات المركز العام للشبان المسلمين بشارع رمسيس، ولم يكن مفتاح الحجرة بأيدينا، ولم نكن نحتفظ بأي أوارق فى هذه الحجرة، وتبرع مشكورا للرابطة بثلاثة آلاف جنيه، وكان يحضر الندوات واللقاءات الكبيرة التي كنا نعقدها في حجرة أوسع، أو في القاعة الكبرى فيفتتح الجلسة بكلمة طيبة.

ثم عقد اتفاق تعاون بين جمعية الشبان المسلمين ورابطة الأدب الإسلامي العالمية،  ووافقت على هذا الاتفاق الجهات المسؤولة في الدولة، وبهذا صار للرابطة وجود قانوني في مصر.

وقد كلفت بإدارة هذا المكتب، ومعي عدد من أعضاء الرابطة يشكلون مجلس إدارة هذا المكتب، ولما أعرت إلى العمل فى كلية اللغة العربية بالرياض اتفق أعضاء المكتب على أن يكون الدكتور عبد المنعم يونس ثاني رؤساء هذا المكتب وما زال في هذه المسؤولية حتى الآن.

ولقد ذكر بعض أعضاء الرابطة أنه كان أول رئيس لمكتب القاهرة، وأني توليت الأمر من بعده حينما أعير إلى جامعة الملك فيصل بالأحساء، وهذا مخالف للواقع فلم يكن هناك مكتب بالقاهرة في الفترة التي ذكرها.

ولما ذهبت إلى الرياض اختارني الدكتور عبد القدوس أبو صالح نائبا لرئيس مكتب البلاد العربية ونائبا لرئيس تحرير مجلة الأدب الإسلامي، ومنذ أن كنت رئيسا لمكتب القاهرة أصبحت عضوا في مجلس الأمناء حسب لائحة الرابطة.

ولما ذهبت إلى العمل في كلية الآداب جامعة البحرين اقترحت إدخال مقرر "الأدب الإسلامي" فوافق القسم على ذلك، ووضعت خطة المقرر ومفرداته ونظام تقويمه، ثم وافقت الكلية والجامعة على هذا المقرر لكن لطلاب الدراسات الإسلامية فقط، وأرجو أن يدرس هذا المقرر طلاب اللغة العربية أيضا، ودرست للطلاب كتابي "الأدب الإسلامي ضروروة"، مع تكليف الطلاب بقراءة عدد من أعداد "مجلة الأدب الإسلامي" التي اقترحت على مكتبة جامعة البحرين أن تشتري خمس نسخ من كامل أعداد المجلة تضاف إلى مكتبة الجامعة لتكون بين أيدي الطلاب.

س7: كيف تنظر بعد مسيرة ربع قرن إلى:

- رابطة الأدب الإسلامي العالمية؟

- إلى جمعية الأدب الإسلامي في مصر؟

-إلى مجلة الأدب الإسلامي؟

ج: أ- رابطة الأدب الإسلامي العالمية أراها تزداد كل يوما بريقا ولمعانا وحضورا، برغم الأزمات المتعددة التي مرت بها، والمكائد التي كانت تدبر لها، والإشاعات التي كانت تهدف إلى تشويه سمعتها. ويكفي أن كثيرين من الذين كانوا يحاربونها بالأمس أصبحوا من جنودها اليوم!. وقارن بين عدد أعضائها في بدايتها وعدد أعضائها الآن، وبين عدد مكاتبها بالأمس وعدد مكاتبها اليوم، وبين حدة الهجوم عليها في البداية وخفوته الآن، ولم يكن ما حققته الرابطة يرجع إلى أسباب تملكها، ولكنه فضل الله وتوفيقه.

ب- جمعية الأدب الإسلامي في مصر تنمو وتزدهر، وندواتها تتم في القاهرة وخارجها، ومجلتها نرجو لها أن تتبوأ مكانتها بين المجلات الثقافية، ولكنا ما زلنا على الشاطئ، ورحلة الإبحار أمامنا طويلة.

ج- مجلة الأدب الإسلامي قطعت شوطا كبيرا حتى الآن، ومستواها يتحسن، وكتابها يزدادون ويتنوعون، وصدرها يتسع للرأي والرأي الآخر، والأعداد الخاصة التي أصدرتها والتي تنوي إصدارها في المستقبل -إن شاء الله- تشكل رصيدا جيدا للدراسات الجادة.

لكن ما أقوله في (أ، ب، ج) لا يعني أننا وصلنا إلى درجة الكمال، ولا يعني أننا اقتربنا من هذه الدرجة، ولكن المخلصين من أعضاء الرابطة يبذلون جهودهم في حدود طاقتهم، والله سبحانه و تعالى يبارك هذا الجهد.

س8: كتابك "الأدب الإسلامي ضرورة" ما دلالة عنوانه في ظل اتهام الأدب الإسلامي بالإقصاء والتصنيف المؤدي إلى تصنيف الأدباء بين إسلامي وغير إسلامي من وجهة النظر المعارضة؟.

scan0004

ج: كتاب "الأدب الإسلامي ضرورة" لا أحب أن أتحدث عنه، ولكني فقط أريد أن أبين أن هذا الكتاب لقي قبولا عاما، والذين كتبوا عنه كثيرون، وأصبح من مراجع الأدب الإسلامي، وقد درس وما زال يدرس في مقرر "الأدب الإسلامي" في أكثر من كلية، فالحمد لله والشكر له.

س9: من وجهة نظر نقدية؛ هل ينتج الأدباء المعاصرون أدبا إسلاميا؟ وما أبرز ملحوظاتك على هذا الأدب؟

ج: الأدب الإسلامي يصدر عن الرؤية الإسلامية والأدوات الأدبية، والرؤية الإسلامية تصدر عن الأديب المسلم كما يصدر الضوء عن الشمس، والأريج عن الزهر، فصدور الأدب الإسلامي عن الأديب المسلم صحيح الرؤية ليس شيئا غريبا.  وبعض من كانوا يعارضون مصطلح "الأدب الإسلامي" لم يكن أدبهم ولا إبداعهم يخرج على الرؤية الإسلامية، بل إن بعض الأدباء غير المسلمين في البلاد الإسلامية كانت الثقافة الإسلامية جزءا من تكوينهم الثقافي، فكانت الرؤية الإسلامية تنعكس أحيانا على إبداعهم، وقد سبق أن ذكرت نماذج من ذلك في مجلة "سطور" القاهرية.

لكن الإبداع الأدبي الإسلامي قد تصيبه أحيانا ضبابية في الرؤية، أو ضعف في الأدوات، فينتج شيئا لا يصح أن يصنف في الأدب الإسلامي. وكثيرا ما كانت تأتينا إبداعات من هذا القبيل فلا نننشرها، لكن ينبغي أن نشير هنا إلى أن الإبداع يتفاوت؛ فمنه ما يكون في القمة، ويستحق درجة الامتياز؛ صحة في الرؤية، وعلوا في اللغة، وسموا في الصنعة، ومنه ما يقف عند درجة القبول، وكثير منه ما ينزل عن هذه الدرجة.

س10: كيف تنظرإلى مستقبل الدعوة إلى "الأدب الإسلامي" ومستقبل رابطته؟ 

وما عوامل النجاح  الاستمرار في رأيك؟

ج: إننا حينما نقارن بين بداية الدعوة إلى "الأدب الإسلامي" وبين وضعها الحالي نطمئن إلى المستقبل كثيرا، أما عوامل النجاح والاستمرار فهي:

1-  الأخذ بالأسباب.

2-  الإخلاص في العمل.

3-  توفيق الله قبل كل ذلك.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

scan0005

تعليقات القراء
د. كمال مقابلة Mar 15, 2018
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية تقدير واحترام للشاعر الرائد عبده زايد والناقد المبدع أحمد محمد علي. من المواقف الطريفة التي حصلت لي مع اختلاف الاسمين أنني في مرحلة كتابة رسالة الماجستير 2000/2001 حول رابطة الأدب الإسلامي، عُدت إلى كتاب كتاب (الأدب الإسلامي ضرورة) لأحمد محمد علي، وقرأت في مجلة الأدب الإسلامي عددا من المقالات النقدية لللدكتور عبده زايد، ووثقت لكل منهما في الهامش، ولما حضرت مؤتمر الرابطة قي القاهرة 2005 كنت طبعت الرسالة في هيئة كتاب، فاصطحبت معي عددا من النسخ على سبيل الإهداء، قدّمت إحداها للدكتور عبد الحليم عويس رحمه الله وفي استراحة الغداء التقيت به ثانية فقال لي: لفت انتباهي قي بعض الهوامش أنك توثق مرة باسم أحمد محمد علي وأخرى باسم عبده زايد، فلم ذلك؟ وهو يبتسم طبعا، فأجبته لأنني أخذت عن شخصين مختلفين! فقال : لا يا سيدي أنت اخذت عن شخص واحد ( أهو) وإذا بالدكتور عبده زايد يقف إلى جوارنا، فتفاجأت حقا، وأردف الدكتور عويس قائلا: ألا يستحق نسخة من الكتاب؟ قلت: بكل تأكيد وشرف، ثم قال: والدكتور أحمد محمد علي ألا يستحق نسخة؟! فانفضّ مجلسنا بضحكة عريضة، تحياتي الحارة لك دكتور أحمد.

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب