جماليات الأدب الإسلامي
كتب  عبدالقادر أحمد الرباعي ▪ بتاريخ 11/02/2016 08:56 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 56

أ.د.عبد القادر الرباعي

 

أنا لم آت هنا لأغير مفاهيم مستقرة في دستور هذه الرابطة العالمية الكريمة، ولكنني جئت أحاوركم حول جملة أفكار خطرت لي وطلابي حين التقينا معاً، وانشغلنا بموضوع الأدب الإسلامي، لكونه مادة في منهاجهم لدرجة الدكتوراه في جامعة العلوم الإسلامية. وقد كانت المحاضرات أقربَ َإلى المحاورات والنقاشات منها إلى إلقاء المحاضرات الجاهزة، وبعدها أسئلة هامشية تأتي وتذهب ثم ينتهي كل شيء.

نعم، كانت حواراتٍ لا تنتهي بين المتحاورين: أنا وطلبتي. وحين أقول: أنا وطلبتي، لا أعني أنني كنت في اتجاه وطلبتي في اتجاه آخر، ولكني أقول: كنا نتبادل الأفكار القديمة والجديدة، أو المستقرة والمستجدة: نتفق ونختلف لا فرق، المهم أن النقاش كان للخير وفي الخير. كنا نتناقش في مسائل متعددة للإجابة ِعن أسئلة تبدو سهلة متداولة، لكننا حين نواجهها بغية القناعة والإقناع تغدو صعبة. ومنها:

 أولا: مفهوم الأدب الإسلامي.

ثانيا: واقع الأدب الإسلامي كما يدركه الجمهور.

ثالثا: علاقة الأدب الإسلامي بالأدب العام؟

رابعا: الأسلوب الذي ينتهجه الأدب الإسلامي في التعبير عن ذاته وقضاياه؟

خامسا: مدى توافر آليات الفن والجمال في الأدب الإسلامي.

سادسا: المشكلات التي يواجهها الناقد الأدبي في تقويم الأدب الإسلامي؟

سابعا: جواز إخضاع الأدب الإسلامي لمفاهيم النظريات النقدية الغربية الحديثة؟

هذه بعض الأسئلة التي واجهناها وستواجهها هذه المحاضرة للإجابة عنها تصريحاً أو تلميحاً، تاركةً بعض الإجابات لما قد يكون مجالاً للتفاعل والتشارك والحوارات القادمة التي تتلو المحاضرة.

لا أكتمكم أنني حتى مساء أمسِ كنت عازماً على أن ألقي إلقاء شفوياً ما لدي من أفكار قد تكون مختلفة نوعاً ما، لكني - لأهمية الموضوع ولضبط مفاهيمه لدي - قررت أن أقيد أفكاري لأكون مسؤولاً عما فيها من اتفاق أو اختلاف، ولحصر هذه الأفكار في مجالات محددة، لكن القضية تظل أكبرَ، والأسئلةَ تمسي أصعبَ مما ستتناوله هذه المحاضرة، فما نتداوله هنا ليس سوى صُوى على طريق الفهم والإدراك لمسائلَ أبعدَ وأكثرَ تشعباً.

لكنني -على أية حال- سأعزز مقولاتي ببعض الأمثلة الشعرية من مجالات الأدب العام ليكون الميدانُ تطبيقياً أكثرَ منه فلسفياً. كما سأستعيد بعض الحوارات التي كانت تدور بيني والطلبةَ؛ فهم فيها في مرحلة الدكتوراه، مرحلة النضج الفكري القابل للتداول في حينه أو بعد حين قريب.

لم أفصل نفسي في حواراتنا عنهم، فقد كنا نتحاور في مستوى متقارب إن لم يكن متساوياً. وفي حواراتنا كان بعضنا يرى ما هو قائم في الفهم العام من أن الأدب الإسلامي هو الأدب الذي يتناول الموضوعات الإسلاميةَ، وهي واضحة لا تحتاج نقاشاً، لكن بعضنا اختلف وقال:

 بل الأدب الإسلامي هو الذي يعبر أبعد من الموضوع، فهو يلامس الأفق الإسلامي أو الثقافة الإسلامية المكتسبة بعموميتها، ولا يقف عند موضوع إسلامي محدد.

 استثار هذا القول المختلف رأيَا ثالثاً فتساءل: هل هناك فرق بين الموضوع والأفق؟

فرد صاحب الأفق ومن يوافقه الرأي: بل هناك فرق شاسع بين هذا وذاك.

سأل آخر: ما الفرق؟

وأجاب غيره: الموضوع الإسلامي هو ما له علاقة بقضايا أساسية تخص المسلمين في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك مما ينص عليه القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الموثوقة.

فرد صاحب الأفق لكن هذه الموضوعات يعلمها المتفقهون في الدين الإسلامي، وهم القادرون أكثرَ من غيرهم على معالجتها، فهل تريد من الشاعر أو الناثر الفني أو القاص أو الروائي مثلاً أن يكون عالماً بها ليعبر فنياً بما يقترب منها؟ يكفي الأديب أن يتشرب روح الإسلام، وأن يتخلق بخلق الإسلام، ثم ينطلقَ أدبياً يكتب في كل موضوع آخر. إنه في هذا يكتب أدباً إنسانياً وإسلامياً في الوقت عينه: شعراً كان أم قصة أم رواية أم أي غرض أدبي آخر من هذه الفنون جميعاً. بل إنه وهو يكتب أدباً إنسانياً إنما يعرض فيه روح الإسلام، وهذه الروح هي روح إنسانية في آن معاً؛ لأن الإسلام إنسانيُّ النزعة، والأدب كذلك. فغايته في النهاية ملامسة هذه الروح الإنسانية، منتقلاً إليها بوسائله الخاصة التي قد تكون محلية، لكنها ترتقي من المحلية إلى العالمية أو الإنسانية..

 يبتسم ذلك المدافع عن الموضوع فيرد: هل يعني أن شاعراً يقول متغزلاً بالمرأة مثلاً، إنما يقول شعراً إسلاميا.

يرد عليه صاحب الأفق: نعم. إن كان ما يقوله لا يتنافى وأفق الإسلام، وخلق الإسلام، فليس حضور المرأة في الشعر يعني بالضرورة انحرافاً خلقياً، وإنما هو في بعضه لازمٌ لزومَ حضور الرجل فيه؛ فالحكم على الاثنين مرتبط بالنص لا على الحضور من عدمه. فالله كرم الإنسان رجلاً كان أم امرأة. ألم يقل سبحانه: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" ؟!.

 أجاب المختلف معه: أعطني نصاً ما دام الحكم على النص لا على الحضور؟

قال له: انظر إلى قول هذا الشاعر الذي كان للمرأة في شعره حضور إنساني كريم. يقول:

           وجئت إليك لا أدري لماذا جئت

           فخلف الباب أمطار تطاردني

           شتاء قاتم الأنفاس يخنقني

           وليس لديَّ أحبابُ

           ولا بيتٌ ليؤويَني من الطوفان

           وجئت إليك تحملني

           رياح الشك للإيمان

      فهل أرتاح بعض الوقت في عينيك؟!

         أم أمضي مع الأحزان

         وهل في الناس من يعطي

        بلا ثمن بلا دين بلا ميزان؟!

فالمرأة سكن الرجل، وهي التي ظن الشاعر محقاً أن تمنحه الدفء والحب والحياة، تعويضاً عما افتقده عند غيرها ممن لا يقدمون عوناً بلا ثمن ولا دين ولا ميزان؟ بل قادته ثقته التي لم يعرف كنهها من الشك بالناس وقد طاردوه، وشردوه، وقاسى منهم ما قاسى إلى الإيمان بها بوصفها الإنساني امرأة خلقها الله لتكون للرجل ملاذاً آمناً، تعينه في محنه في الحياة، وتسنده اتقاء من شرور الأشرار. ألم يقل الله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"؟

ألا تستثيرك هذه الأبيات لتتذكر نساء المسلمين، وخاصة موقف السيدة خديجة رضي الله عنها عندما أتاها الرسول عليه السلام بعد نزول الوحي يقول: دثروني، كيف حنت عليه، وكانت له سنداً وأنساً وسكناً!؟

وإذا أردت أن تجعل الأبيات عامة تشمل الرجل والمرأة فأنت بعد ذلك لا تحتاج إلا أن تضعَ فتحةً على الكاف بدلاً من الكسرة لتتذكر مواقف الرجال كموقف أبي طالب وهو يدفع عن الرسول صلى الله عليه وسلم بغي قريش، وكمثله موقف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكل الصحابة الكرام في بداية النبوة؟

 أصغى صاحب الرأي المخالف، وأشار بإيماءة تنطق نيابة عنه: نعم، كل ما قلته صحيح، الإسلام دين الأمن والأمان، والمرأة سكن للرجل، كما أن الرجل سكن للمرأة. ولعلنا إن رجعنا إلى الأبيات افترضنا أن الشاعر إنما كان في مرحلة الاختبار والاختيار خاصة في ذكره الحب والبيت والأمان والإيمان.

وانبرى ثالث يعقب على طبيعة قول الشاعر، ليقول: لكن التعبير عن موضوعات الإسلام أو أفق الإسلام إن سلمنا لك بما قلت، لا يكون بهذه الطريقة الملتوية التي قد نتفق وقد نختلف على فهم أبعادها. إنه التعبير المباشر الذي لا يحتاج تأويلاً بعيدا كما هي حالة هذا الشاعر.

 ورد عليه صاحب الأفق ليقول: بل طريق الأدب طريقٌ غيرُ مباشر. إنه طريق الصورة والاستعارة وكل ألوان القول الجميل. خذ مثلاً أحمد شوقي يقول شعراً وهو في حضرة الآثار الإسلامية في الأندلس:

     لم يرعني سوى ثرى قرطبيٍّ     لمستْ فيه عِبرةُ الدهر خمسي

     يا وقى اللهُ ما أصبِّحُ منه     وسقى صفوةَ الحَيا ما أُمسّي

    قريةٌ لا تعدّ في الأرضِ كانت   تُمسكُ الأرضَ أن تميدَ وتُرسي

تملَّ معي روعة المعنى، وجمال الصياغة الأدبية الرفيعة، والتشكيلات اللغوية الفنية في الأبيات، وخاصة في اجتماع الضدين في البيت الأخير: هذه القرية الرمزية تبدو صغيرة لا تعد شيئاً قياساً بالأرض الكبيرة الواسعة وفق الحسابات الآركولوجية المادية، لكنها غدت بفعلها وقيمها ومثلها الإسلامية تمسك بتلابيب الأرض كلها، تضبط أطرَها الحضاريةَ، وأنظمتَها الهيكليةَ قواعدُ إلهيةٌ جسدتها قوة المؤمنين بالله رباً حكيماً عظيما.

ثم تملَّ جلال الفن في رثائه الأندلس بعد أن تغير الحال، ومال العدل، وانهدم البنيان:

   يا أخت أندلسٍ عليك سلامُ       هوت الخلافةُ عنك والإسلامُ

   نزل الهلالُ عن السماء فليتها     طُويتْ وعمَّ العالمين ظلامُ

أو قولَه في الهمزية النبوية:

  ولد الهدى فالكائناتُ ضياء    وفم الزمانِ تبسمٌ وثناء

  الروح والملأ الملائك حوله     للدين والدنيا به بُشَراءُ

  وحديقة الفرقان ضاحكة الربا    بالترجمان شذيةٌ غناءُ

هل تخيلت يوماً أن ينزل الهلال عن السماء؟! لكن الشاعر تخيله في لحظة الضيق التي انتابته مثلما انتابت كل مسلم وهو يرى الخلافة الإسلامية تتهاوى، وأن الإسلام غاب عن أرض فتحها، وعمَّرَها لسبعة قرون خلت. إنها حالة من حالات الهذيان النفسي والمعنوي التي أوصلت الشاعر أن يرى الهلال - وهو رمز الإسلام - ينزل من عليائه ومكانه الأبدي. فالمصيبة أكبر من أن يتلقاها المسلم باتزان. وبالمقابل هل تخيلت أن للفرقان حديقةً ضاحكةَ الربا؟ لقد تخيلها الشاعر كذلك من منطقة الفرح الغامر حين استشعر بشرى ولادة المصطفى أو الهدى كما أحب أن يسميه مباشرة.

نعم الأدب الإسلامي الحقيقي هو أدب فني جميل يبتعد عن المباشرة إلى الإيحاء بالفكرة من خلال وسائطه الفنية المعروفة والمألوفة. وهي التي تسير به إلى المشاركة والتفاعل الإنساني الخلاق.

إن الأدب الإسلامي بصفته الأدبية يتحلى بكل سمات الأدب الجميل، كالإيحاء بالفكرة إيحاء خفياً تستفز المتلقي، وتبعث فيه حافزية المعرفة، وشهوة الاكتشاف، مبتعداً عن الكتابة التقريرية التي تؤول هامدة جامدة لا تتحرك ولا تحرك ساكناً.

إنه يستخدم أدوات الفن الجميل من تشبيه وتمثيل واستعارة وإيقاع. يقول عبد القاهر الجرجاني في الاستعارة قولاً لم يزد غيرُه عليه. قال: "رأيت العقلاءَ كلَّهم يثبِّتون القول بأن من شأن الاستعارة أن تكون أبلغ من الحقيقة (دلائل الإعجاز: 432), وإذا علمنا أنه عرف الاستعارة بأنها استخدام شيء للتعبير عن شيء آخر؛ أدركنا أن التعبيرَ غيرَ المباشر أبلغُ من التعبير المباشر. وعبد القاهر في احتفائه بالاستعارة أشار لأول مرة بما سماه معنى المعنى. ألا تدري أنه في بداية القرن العشرين أصدر ناقدان بريطانيان كتاباً استوحيا فيه نظرية عبد القاهر فسميا كتابهما معنى المعنى: The Meaning Of Meaning. ثم ألا تعلم بأن أحد هذين الناقدين هو ريتشاردز الناقد الشهير الذي قرأنا له كتابَ مبادئ النقد الحديث، وكتابَ النقد التطبيقي وغيرَهما.

نعم إن الأدب بأسلوبه الإيحائي – والأدب الإسلامي جزء منه - يمنح الناقد الكفُؤَ فرصة الاجتهاد لقراءة لغة ما بعد اللغة، أو معنى المعنى ليأتي بنص جديد في إطار نظريات التلقي والتأويل.

*   *

أنتقل بكم إلى موضوع آخر هو مديح الأفراد؛ قال أحدهم استكمالاً لحواراتنا: أرى أن من نصوص المدح العام ما هو جدير بأن يكون من الأدب الإسلامي، وإليكم النص الآتي:

   فتى لبست منه الليالي محاسناً           أضاء لها الأفْقُ الذي كان مظلما

مُعاني حروبٍ قوَّمت عزمَ رأيه              ولن يصدقَ الخطيُّ حتى يقوَّما

  غدا وغدت تدعو نزارٌ ويعربٌ      له أن يعيش الدهرَ فيهم ويسلما

تواضعَ من مجد لهم وتكرمٍ                 وكلُّ عظيم لا يحب التعظما

لكل قبيل شعبة من نواله                   ويختصه منهم قبيل إذا انتمى

أبا القاسم استغزرت درَّ خلائق             ملأن فجاج الأرض بؤسى وأنعما

  سلام وإن كان السلام تحية               فوجهك دون الرد يكفي المسلما

ألا يستثيركم هذا الوصف فتتمثلوا من خلاله معرفتَكم عن صفات محمد عليه السلام!؟ أو بم تردون لو قال لكم أحدهم: إن هذه الصفات هي صفاتُ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، خصوصاً أن فيها إشارة إلى كنيته عليه السلام (أبو القاسم)؟

رد أحدهم: نعم هذه بعض أوصاف المصطفى، لكن قل لنا: من صاحبها؟ ومن الشاعر؟

 قال: أوصاف المصطفى عليه السلام هي الأصل، وهذه النسخة المستعارة: إنها أوصاف بطل مسلم تخيله الشاعر، وقد غير الباطلَ حقاً، والهزيمةَ نصراً، حتى نهضت الأمة المتهاوية فصمدت من جديد, اسمه هيثم الغنوي، له بطولاتٌ مشهودة في التاريخ، لكن الموضوع الذي أتى ذكره فيه هنا هو وصف البحتري للربيع. ألا يقدم لنا البحتري في وصفه الربيع في مثل هذا الإطار أدباً إسلامياً؟

قال آخر: ما دمتم وسعتم دائرة الأدب الإسلامي، فإني سآتي لكم بمثال من وصف الطبيعة، وسترون أنه نص يصلح أن يكون نصاً من الأدب الإسلامي. قال الشاعر:

    يا صاحبي تقصيا نظريكما     تريا وجوه الأرض كيف تصوّر

    تريا نهاراً مشمساً قد شابه      زهر الربا فكأنما هو مقمر

   دنيا معاش للورى حتى إذا      جُلِيَ الربيع فإنما هو منظر

   من كل زاهرة ترقرق بالندى     فكأنها عين عليك تحدر

   تبدو ويحجبها الجميم كأنها     عذراء تبدو تارة وتخفّر

   مصفرّة محمرة فكأنها     عصب تيمن في الوغى وتمضّر

   صنع الذي لولا بدائع لطفه    ما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر

كل هذا الجمال الطبيعي للورد والأزهار تماثل حالات إنسانية فيها الحب والألفة والألق اللوني المتشعب والمتلون، لكن ذلك قد أوجدته بدائع الله اللطيف الخبير. أليس هذا نصاً إسلامياً؟!

وافقه جميعهم، لكن أحدهم سأله عن عبارة: (لولا بدائع لطفه) قائلاً: في أثناء تحليل البيت الأخير: لماذا قدم الشاعر وأخر في عبارة: ( بدائع لطفه) هل اختلف المعنى عن قوله: (لطفه البديع)؟

 قال صاحب النص: لا مجال للجواب الآن، لأنه سيأخذ وقتاً طويلاً.

كل هذه أمثلة تؤشر على أن الجمال في الأدب الإسلامي -على سعة أفقه شكلاً ومضموناً- هو من صنع الله وخلْقه، أراده سبحانه كذلك من أجل إسعاد بني الإنسان في كل أرض وزمان، لكنه أتى في التعبير إيحاءً أكثر منه تقريراً، وهو سبحانه أعلم بعباده فيما يسرهم ويبهجهم. ومن هنا جاءت لغته متساوقة مع معناه العميق البهيج، لكي يلتقي الجمال بالجميل، فتغدو الحياة بكل ما فيها مضمخة بالفرح والكمال.

كما أن الأدب بلغته الإيحائية يجعل التعبير جميلاً: عن لغة الاستعارة الجميلة. فلو تتبعنا معنى الجمال في القرآن العظيم لوقعنا على لغة استعارية معجزة بعلاقاتها المفاجئة الجميلة شكلاً ومعنى، من مثل قوله تعالى من سورة النحل: "ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون"، فكلمة جمال ذات معنى كامل قائم بذاته.

وقوله تعالى من سورة الحجر: "فاصفح الصفح الجميل". فالتركيب جاء صفةً على حد التوافق. لكنه قد يأتي صفةً على الضد مثل قوله تعالى: "واهجرهم هجراً جميلاً"، فكيف للهجر أن يكون جميلاً.

ومثل هذا الاختلاف إلى درجة التناقض ما جاء في سورة يوسف على لسان أبيه يعقوب عليهما السلام في مثل قوله تعالى: "بل سولت لكم أنفسُكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون". والواقع أن يعقوب عليه السلام كان في محنة، وهو يتلقى خبر أكل الذئب لأعز أبنائه عليه. والمتوقع أن لا يصدر عنه إلا ما يعبر عن ذلك الكرب، لكنه عبر عن محنته بالصبر الجميل على غير توقع. كان ذلك في بداية السورة، ثم كرر وصف صبره بأنه جميل في نهايتها مع طول محنة غياب الابن الحبيب يوسف، فردد بخطاب مختلف: "بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً". اختلاف الخطاب في نهاية السورة عنه في بدايتها اختزل الحدث كله فانقلب اليأس أملاً بإضافة العبارة "عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً".

جاء استخدام الجمال في القرآن الكريم استخداماً فنياً استعارياً لأنه أتى وصفاً لمعان معنوية لا وصفاً شيئياً مادياً، وفي هذا إشارة إلى لأدب الإسلامي الإيحائي الجميل بالتركيب الغريب، وغير المباشر فيه.

فكل البشرى التي نتلقاها من كلام الله سبحانه إنما هي وعدٌ بالجمال في الدنيا والآخرة؛ فلماذا لا نكون كما أرادنا خالقنا جميلين في أفعالنا وعلاقاتنا وأقوالنا؛ أي أن نطلق العنان لذواتنا في التعبير عن حاجاتنا، فنسعدَ بالقول الجميل.

 وبعد: لماذا لا نرى أدبنا الإسلامي كما أراده الله لنا.. أدباً فنياً جميلاً ينفذ من أفق الإسلام ليرود كل موضوع اختارته موهبة الأديب: شاعراً كان أم قاصاً أم راوياً، مجالاً للقول فيما تستثيره مشاعره وعواطفه وأفكاره في الحياة، وترتضيه نفسه فناً جميلاً يرتقي بخصائصه الإبداعية الرفيعة العالية، من حيز المكان إلى أفق الإنسان!؟. مثل هذا المطلب لا يطلب من المبدع في الله، فموهبته وثقافته يقودانه حيث تلك المهمة الشاقة الممكنة، لكنه مطلب موجه إلى الناقد أو القارئ.

فالمشكلة في الواقع لا تنحصر في الإبداع، لكنها تمتد إلى القراءة. فالقراءة هي مشكلة المشكلات في الأدب بعامة، وفي الأدب الإسلامي بخاصة، لأنها قراءة تتصدى إلى فك لغز طبقات نص كبير وعميق يرتفع في وقت يتطلب انخفاضاً، وينخفض في وقت يتطلب ارتفاعاً، فكيف السبيل إلى ترويضه وهو الشموص أبداً!؟

  من هنا نقول: حين يتصدى قارئ للأدب الجميل عليه أن يؤهل نفسه لمهمة لا يستطيعها كل من أرادها لغير مهمتها. مهمتها مهمة جليلة تستحق جلالاً وجمالاً، هي بهما جديرة حقاً.

 

ــــــــــ

  • محاضرة أ.د.عبد القادر الربّاعي، رئيس جامعة جدارا سابقا، وأستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعتي اليرموك والعلوم الإسلامية حالياً، ومحكم للترقيات العلمية للماجستير والدكتوراه في الأدب واللغة العربية؛ وذلك في مقر المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، بعمان، الأردن.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب