القصة القصيرة جدا: الخصائص والجماليات
كتب  د.فريد أمعضشو ▪ بتاريخ 17/09/2013 17:49 ▪ تعليقات (1) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 28

إنّ انفتاح القصة القصيرة جدا على أجناس وفنون أخرى، أدبية وغير أدبية، قديمة وحديثة، واستفادتها من تقاناتها ومقوِّماتها في التأسيس لكيْنونتها الفنية، ليس معناه، مطلقاً، تبعية القصة القصيرة جدا لتلك الألوان التعبيرية، واستنساخها لها، واحتذاءَها طريقتها في الأداء والإبْلاغ حذو النعل بالنعل، بل إن ذلك، في الحقيقة، لم يمنع القصة القصيرة جدا من الاحتفاظ بتميزها، ومن الاستقلال بعددٍ من السمات المائزة الفارقة.

حين نتصفح ما ألِّف من دراسات في نقد هذه القصة نجد أن النقاد قد اختلفوا بشأن طبيعة هذه الخصائص والجماليات، وعددها كذلك، اختلافاً ينمُّ عن تفاوُت اجتهاداتهم في هذا الصدد ما بين اجتهادات عميقة رصينة استطاعت وضْع اليد على كثير من تلك الخصوصيات، واجتهادات مَشُوبة بخلط ونقص واضحين جعلت أصحابَها يجْرُدون عدداً من مقومات القصّ التي لا تقتصر على القصة القصيرة جدا فقط، بل تنسحب أيضاً على الأقصوصة، مما يجعل مفهوم “الخصائص”، هنا، غير ذي معنى!

وإذا كان بعض الدارسين ما زال يتحفّظ، اليوم، من الحديث الصُّراح عن خصائص مميّزة للقصة القصيرة جدا، التي قطعت شوطاً مهمّاً في أدبنا المعاصر، وعرفت تطوراً واضحاً من حيث الكمّ والكيف معاً، فإننا نرى موقفاً من هذا القبيل غير مقبول البتة، لأمْر واحد أساس، وهو أن القصة القصيرة جدا، الآنَ، قد اغتدتْ نوعاً سردياً قائمَ الذات، ذا حضور متزايد في الساحة الأدبية، وتملك عدداً من المميِّزات فضْلاً عن المقوّمات التي تتقاسمُها مع فنون وأشكال تعبيرية أخرى عديدة. وهذا ما أكده جاسم إلياس بقوله: “إذا كان سؤال: هل ثمة خصائص ومقومات فنية وبنائية ولغوية للقصة القصيرة جدا؟ سابقاً لأوانه في بداية العقد السبعيني من القرن العشرين، بحُجّة أنها لم تقدمْ لنا حصاداً غزيراً يكفي لأنْ نستقرئ منه خصائص متميزة تحددها ضمن “قوالب” أو أصول نهائية، فإننا في القرن الحادي والعشرين نمتلك كَمّاً هائلاً من القصص القصيرة جدا تخوِّل الباحث دراسةَ الأصول والمفهوم والمكونات التي تحدد سمات هذا النوع. وقد حظيتْ فعلاً بدراسات في معالجة القصة القصيرة جدا”. 

لعبة الفراغ والبياض

من هذه الدراسات العميقة الجادّة كتابُ “القصة القصيرة جدا في المغرب: تصورات ومقاربات” للدكتورة سعاد مسكين (2011)، الذي مكّنتْنا قراءته المستعْرَصة من التقاط جملة من المقوِّمات التي تعُدّها الباحثة خصائصَ للقصة القصيرة جدا، وإنْ كان بعضُها ممّا تشترك فيه هذه الأخيرة مع أشكال أدبية أخرى، كالقصة القصيرة وقصيدة النثر. ولعل أهمّ تلك الخصائص ما يأتي: القِصَر – الإيجاز – الاقتصاد القولي – التكثيف – الإيحاء – خرْق المألوف – الإيماض – اقتضاب المعنى – التوسع والعُمق الدلاليان – خفة الإيقاع وسرعته الناتجتان عن حركية السرد الذي يستثمر طاقات الجمل الفعلية والقصيرة – تفادي الإسهاب والحشو – الدهشة والمباغتة – المفارقة والسخرية باعتبارهما استراتيجيتيْن خطابيتين لكشْف اختلالات الواقع والذات – التعبير عن اليومي والهامشي – الإلغاز – التثغير المتجسد من خلال ملْمَحَي الفراغ والبياض، مما يستوجب قارئاً ذا مواصفات خاصة تجعله أقدرَ على التفاعل الإيجابي مع القصص القصيرة جدا التي يتعمّد مُبْدِعوها، أحياناً كثيرةً، ركوبَ أسلوب الإيحاء والتلميح عوضَ التصريح والإبانة عن المقصود – التناصّ مع مدوَّنات سردية وشعرية، قديمة وحديثة، عربية وغير عربية. فالواضحُ من هذا الجرْد تعددُ خصائص القصة القصيرة جدا، وتنوّعها ما بين سمات موضوعية وشكلية وفنية وتداولية، وأنّ بالإمكان جمْع بعضها إلى بعض ممّا يقبل الجمع لاختزالها كمّياً إلى عدد أقلّ.

خصوصية التعبير عن الذات والمجتمع

ولا مناص من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن محاولة رصْد خصائص القصة القصيرة جدا من القضايا النقدية التي حظيت باهتمام دارسي في المجالين الأدبييْن العربي وغير العربي. فقد أجْمل الناقد لويس بريرا ليناريس مميزات القصة القصيرة جدا في سبعة مؤشرات دالة، هي: حضور عنصر الدهشة – قوة العلاقة بين العنوان والحبْكة والنهاية – تفادي الجمل الطويلة، واستعمال الجمل القطعية ذات النبرة القريبة من الحِكمة – اجتناب الشرح أو التوسع – تنوع النهاية – القاعدة السردية – الاختلاف عن النكتة رغم انحدارهما من عائلة السرد، وذلك في الأداء الجمالي والاشتغال اللغوي. ويُضيف الناقد الأرجنتيني راوول براسكا، إلى هذه الميزات، ثلاثاً أخرى، هي: الثنائية – المرجعية – انزياح المعنى عن موضعه بالاعتماد على التقنيات الآتية: اللعب بالألفاظ، والتأويل الحرْفي للمعاني المجازية، واختفاء المعنى نهائياً أو استعمال تقنية الدُّمى الروسية.

 وتحدد الناقدة الفنزويلية فيوليطا روخو مميزات القصة القصيرة جدا في الآتي: ضيق المساحة النصّية – وجود حبْكة يتطلب الإمْساك بتلابيبها جهداً خاصاً من القارئ – عدم استقرار شكل بنيتها – خصوصية الأسلوب واللغة – التناص. ويضيف الناقد المكسيكي لاورو زافالا، إلى ما تقدّم، خصيصتيْن أخْرَيَيْن، تتمثل الأولى في طابعها التقطيعي وما ينطوي عليه من ضرْب واضح لمفهوم الوحدة الكلاسيكي، على حين تتجلى الثانية في الطابع الديدكتيكي، لأنها – بحُكم قصرها الشديد – تستخدَم كاستراتيجية لتدريس اللغات الحية، أو كمتْن إبداعي لتجريب المقاربات النقدية عليها.

وكان لنقاد القصة القصيرة جدا عندنا إسهاماتٌ، أيضاً، في هذا المضمار. فالناقدُ العراقي أحمد جاسم الحسين يحْصر خصائص القصة القصيرة جدا في النزعة القصصية، والجُرأة، والوحدة، والتكثيف. ويجعلها الناقد السوري نبيل المجلي خمْساً، هي: الحكائية، والتكثيف، والوحدة، والمفارقة، وفعلية الجملة. ويبلُغ بها مواطنُه سليم عباسي تسْعاً، كالآتي: الطابع الحكائي، والتكثيف، والمفارقة، والسخرية، والأنْسَنَة، واستخدام الرمز والإيحاء والإيهام والتلميح، وطرافة اللقطة، واختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدْمَتها، والاعتماد على الخاتمة المتوهِّجة الواخزة المُحيّرة. وتختزل لبانة الموشح خواصّ القصة القصيرة جدا في ثلاثٍ فقط، هي: الحكائية، والتكثيف، والإدْهاش. ونجد الأمر نفسَه لدى جاسم إلياس، وإنْ استبدل الخاصّة الثالثة لدى لبانة بخاصّية اللغة المُوحية الرمزية التي تعد المحور الذي ترتكز عليه باقي مكونات القصة الأخرى. كما أنه يؤكد أن للقصة القصيرة جدا جملة تقانات خاصة تتوسَّل بها في التعبير عن الذات والمجتمع وأشياء الوجود عامة، أهمها: المفارقة، والتناص، والاستهلال والخاتمة.

 

 

تعليقات القراء
نبيل المجلي Feb 04, 2014
الدكتور أحمد جاسم الحسين سوري الجنسية , والأستاذ سليم عباسي فلسطيني الجنسية وأنا سوري الجنسية فاقتضى التنويه, وشكراً للجهود المبذولة!
نبيل المجلي - مولدوفا

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب