أخبار الرابطة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأديب الدكتور أحمد الخاني في تجربته الشعرية.

    الرياض : محمد شلاّل الحناحنة

     عقد المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض لقاءه الأدبي الدوري لشهر ربيع الآخر , وكان ضيفه الشاعر الدكتور أحمد الخاني إذ تحدث عن تجربته الشعرية , وقد أدار اللقاء الدكتور عبد القدوس أبو صالح رئيس الرابطة الذي قدّم السيرة الذاتية والأدبية للضيف , وحضره حشد من الأدباء والمهتمين والمثقفين.

     نبض البدايات

     بدأ الشاعر الدكتور أحمد الخاني حديثه قائلا : يؤثر في الإنسان عاملان : الأوّل : الوراثة. والثاني : البيئة . أمّا الوراثة فقد ورثت الشعر من طرفيه , فمن أجدادي الشعراء عبد المجيد الخاني ومحمد الخاني , ومن أخوالي آل البارودي وبخاصة وجيه البارودي شاعر حماة وطبيبها , ومحمود عارف البارودي , وحين أتحدث عن البيئة فقد نالت مدينتي حماة جائزة أجمل مدينة في سورية بنهرها ونواعيرها, ولما زارها أمير الشعراء أحمد شوقي قيل له: إنَ نصف هذه المدينة شعراء , فلما تجوّل في مغانيها قال : عجبت للنصف الآخر لماذا لم يكونوا شعراء؟! وقد عشت في بيئة فرسان, فحداء الخيل الذي كنت أسمعه من أبي يرحمه الله كان أساس انطباعاتي الإيقاعية لقول شعر القوّة . وأوّل قصيدة لي كانت في المرحلة الثانوية بعنوان: (أخي الكشاف) قلت فيها:

     أخي ما كنت أحسبك العقابا    على درب العلا نسرا مهابا

    وحتى لم يكن يسري بخلدي      بأن تبقى هزبرا مستهابا

    يجوب البيد عزمك والفيافي    ويرقى الصخر يقتحم الصعابا

    مناجاة مالك بن الريب

      ثم تحدّث الشاعر أحمد الخاني عن سفره إلى المملكة العربية السعودية, فقال : سبقت الأهل إلى السعودية حتى أستقر فحننت إليهم, وأحسست بالغربة فقلت قصيدة ,منها :

    بكت الحمامة لوعة   سحرا فسالت أدمعي

     ثم أضاف : كنت أعاني من قول الشعر وكان خلع ضرس أهون عليّ من قول بيت من الشعر , ولكن حدث معي مالم يكن يخطر على بال , قال لي صديقي عبد القادر حداد يرحمه الله : دع عنك الأحزان , ولنذهب إلى الزلفي - ويقال : إنَ مالك بن الريب قد دفن هناك - فخرجنا من بريدة , وفي الطريق نزل عليّ الإلهام الشعري فجأة , وعشت في انفعال لا أدري كنهه , وصرت أناجي مالك بن الريب معارضا قصيدته :

     ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة    بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا

    فقلت :

    ألا يا زمان الوصل بالله قل ليا     فقد شفني وجدي وأنكرت حاليا

    أمالك يا ابن الريب قم أيقظ القنا  ألا ابك صلاح الدين إن كنت باكيا.

     واستمرت معي الحال الشعورية أيّاما وأسابيع , كنت أعارض فيها شعراء المعلقات ,  وأعكس أهم قضية كانت في تلك الفترة هي قضية السلام المزعوم, فعارضت امرأ القيس وعنترة , وتوالت الأحداث الجسام , وسمعت خبر مقتل أخي أسعد - وأحسبه شهيدا عند الله سبحانه وتعالى  فرثيته بقصيدة منها :

    أخي ما أخي؟ نشر الجراح يطيب    ونجوى الشهيد يا أخيّ حبيب.

    كما اكتويت بألم فراق أمّي فرثيتها بقصيدة أقول فيها :

    حنانيك ياأمي إليك حنيني        فهذي دموعي في النوّى وأنيني

     لحن الجراح

     وقف الأديب الدكتور أحمد الخاني عند ديوانه الأوّل (لحن الجراح) الذي عده مرآة نفسه المتألمة , إذ كان في غربة مع وفاة أبيه وأخيه وأمه , وحين جاء إلى الرياض وانضمّ إلى ندوة الخميسيّة الرفاعية جاء الشعر مختلفا فحدّثنا بقوله :

    في الخميسية الرفاعية سمعت شعرا مختلفا , جوّا يمتاز بالشفافية والأصالة , فمن لم يكن أهلا لأن يرقى إلى تلك القمم السامقة فلينقطع , لذا صممت أن أكون مع هؤلاء العمالقة , فتطورت تجربتي الشعرية من الناحية الفنية , فكانت قصيدتي التي شهد لها الدكتور حسن ظاظا وهي معارضة لقصيدة البردوني (وردة من دم المتنبي)  ومنها :

    يبصر الخلد في عماه المدمّى    وسواه بشمس تشرين أعمى

    يعربي من رأس غمدان دارا    خاله النور, والندى صار عمّا

    مأرب حافل , وصنعاء عطشى    جاءك العيد كيف تنوين صوما؟

     إلى أن أختم القصيدة على لسان المتنبي:

    من ندى السيف أطلع القتل صبحا      ودمائي ترشُ نجما فنجما

    اقطفوا الورد من دماء قتيل           فالأكاليل من دمائي تدمّى

     

     وفي تركيا علمت أن السلطان محمد الفاتح- فاتح القسطنطينية -  شاعر فعبّرت عن إعجابي به بقصيدة  منها :

    غادة الرومان عزّت في حماها    ودم الأبطال يسعى في رضاها

    ما دم العنقود ؟ ما نار الدياجي ؟   بهجة الإصباح تبدو من ضياها

    سفرت.. آماقها (تورا) دمشقٍٍ            زرقةََ البسفور تبدي مقلتاها

    أمويون.. وجاؤوا , خطبوها            فبدا المريخ أدنى من علاها

     وتعرفون – إخواني -  أنّ العرب ليسوا أصحاب ملاحم شعرية ,  فقمت بسدّ هذه الثغرة , وصغت ملحمة بدر , وعانيت فيها ما عانيت , وصممت أن أنجزها مهما بلغ ذلك من صعوبات بعد أن سدّت عليّ مسارب القول في منتصف الطريق , فذهبت إلى أبها , وهناك تفتحت لدي أبواب الشعر على مصراعيها , والحمد لله , ثمّ أكملت المسيرة الملحمية إلى أُحُد فكانت أقل معاناة لأن الطريق كانت قد عبّدت , وسرت إلى الخندق , فمعركة مؤتة , فاليرموك , وفتح القدس , والقادسية , ثم الحروب الصليبية , وضياع القدس واسترجاعها , ودحر التتار في عين جالوت , ثم فتح القسطنطينية , والحربين العالميتين وموقع الأمة الإسلامية فيهما , ثم الانتفاضة , وأخيرا ملحمة الفلوجة التي صغتها بأسلوب الرباعيات , ومطلعها :

      عشق المجد ومضة الأشواق     للبطولات في مغاني الحداق

       ومنها : 

    عزف النور لحنه البكر فجرا         فتهادى بمسمع الخلد نصرا

    وشدا السيف آي لحن نديّ          خط بالحب في البطولات سطرا

    من نداه تبرعم الصخر حبّا         ضمخ الكون في العوالم عطرا

    رؤيتي الشعرية

                  ثم تناول الأديب أحمد الخاني رؤيته الشعرية , فأضاف : وفي مسيرة تجربتي الشعرية تكونت رؤيتي للشعر فوضعت نظرية الأدب القائد , ومفادها : أنّ الآداب العالمية لا يوجد فيها أدب يقود النفس الإنسانية إلى الخير والحب إلاّ الأدب الإسلامي , وطبقت هذه النظرية في دراسة على عدد من النصوص  الشعرية لعدة شعراء , فكان كتاب :( مدرسة بدر الشعرية ) , وبنت هذه المدرسة رؤيتها الفنية على أن يصوغ الشاعر أحاسيسه بصدق الانفعال والتعبير عن الحياة بشفافية بأسلوب مبدع بما لا يتناقض مع عقيدتنا الإسلامية , أما النظرية الغربية التي لا تنظر إلى المضمون مدعية الموضوعية , فإن مدرسة بدر لا تعترف بها , ولا تقرّها بأيّ حال.

       ولا شك في أن ندوة الخميسية الرفاعية قد أغنت تجربتي الشعرية وصقلتها , ولم أكن لأصل إليها من خلال قراءاتي الشعرية , إن أمسية واحدة من أماسي الخميسية تسمو بالشاعر إلى أعلى الآفاق , وكان وقت الشعر هو اللحظة المرتقبة فيها , وقد اكتسبت منها الشفافية والذوق الرفيع في النقد , والتذوق الجمالي للشعر الأصيل الجميل.

     أصداء و أنداء

     وفي الختام حظي اللقاء بصدى واسع , وقد أجاب المحاضر عن كثير من الأسئلة , فقال الأستاذ سعد العليان : هل هناك دعم مادي لكتابك " الصالونات الأدبية "؟ , وسأل الشاعر شيخموس العلي : قلت : الأدب العربي أدب سلام فأين السلام في معلقة عنترة بن شداد ؟ أما الكاتب يس عبد الوهاب فأشار ألى أنّ الشاعر أحمد الخاني ركب مركبا صعبا بمعارضته للشعراء الجاهليين . و سأل الشاعر عماد قطري : ما أسباب عدم اعترافك بشعر التفعيلة وهو شعر أقرّه كثير من النقاد وفيه قصائد عذبة تفوق الشعر العمودي ؟! وتحدّث الأديب الدكتور عبد القدوس أبو صالح فقال : إذا تحقق في الشعر الوزن فهو شعر , سواء أكان شعرا عموديا أم شعر تفعيلة , كما أشار إلى ظلم النقاد للشعراء الإسلاميين بشكل عام , وتمّنى أن يكتب الشاعر أحمد الخاني تجربته الشعرية.

            وفي ختام الملتقى قرأ الشاعر محمد ياسر أمين الفتوى قصيدة بعنوان ( لنا العلا..) وهي قصيدة جميلة , راقية في فنيتها ومضمونها المشرق في مدح الرسول صلى الله عليه وسلّم والدفاع عنه ضد ما يتعرض له من إساءات معاصرة.

     

    *  *  *

 
     
| مركز المساعدة | شروط الإعلان | English Site |
جميع الحقوق محفوظة (انظر اتفاقية استخدام الموقع)